فخر الدين الرازي
263
المطالب العالية من العلم الإلهي
الموجودات وأشرف وأكمل [ وباللّه التوفيق ] « 1 » .
--> ( 1 ) من ( ز ) . ونقول هنا : يتفق المسلمون وأهل الكتاب على أن للعالم إلها حكيما قادرا يعلم ما في السماوات وما في الأرض وهو الذي وحده خلق العالم والناس . ويحيي الناس ويميتهم . وهذا الإله ليس كمثله شيء ، ولا يقدر أحد أن يراه من هيبته وجلاله . 1 - ففي التوراة يقول اللّه تعالى في الوصايا العشر : « أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر ، من بيت العبودية ، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي » [ خروج 20 : 2 - 3 ] وفي سفر التثنية : « اسمع يا إسرائيل . الرب إلهنا رب واحد . فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل قوتك » [ تثنية 6 : 4 - 5 ] . 2 - وفي الإنجيل يصرح عيسى - عليه السلام - بأنه غير ناسخ للتوراة في قوله : « لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس » [ متى 5 : 17 . ] وبناء على عدم نسخه للتوراة تكون الوحدانية المنصوص عليها في التوراة ملزمة لأتباعه الزاما تاما . ويوضح أن عيسى - عليه السلام - ملتزم بالإله الواحد : هذا النص الذي نذكره من إنجيل مرقس وهو : « فجاء واحد من الكتبة ، وسمعهم يتحاورون . فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله : أية وصية هي أول الكل ؟ فأجابه يسوع : إن أول كل الوصايا هي : اسمع يا إسرائيل : الرب إلهنا رب واحد . وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك . ومن كل فكرك ومن كل قدرتك . هذه هي الوصية الأولى . وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك . ليس وصية أخرى أعظم من هاتين . فقال له الكاتب : جيدا يا معلم . بالحق قلت . لأنه اللّه واحد ، وليس آخر سواه » [ مرقس 12 : 28 - 32 ] . 3 - وفي القرآن الكريم يقول اللّه تعالى : قُلْ : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص ] . والقارئ للتوراة وللإنجيل وللقرآن يجد آيات تدل على صفات أعضاء اللّه عزّ وجل ، ويجد آيات تدل على صفات معاني اللّه عزّ وجلّ . ويجد آيات تدل على أن اللّه تعالى ليس كمثله شيء . والآيات التي تنفي المماثلة هي تنفي أيضا صفات الأعضاء للّه عزّ وجل . 1 - ففي التوراة في قصة موسى - عليه السلام - مع السحرة . لما لم يستطيعوا إخراج البعوض من أرض مصر : « قال العرافون لفرعون : هذا إصبع اللّه » [ خروج 8 : 19 ] أي البعوض قد أشتد أذاه بقدرة اللّه تعالى . وظاهر نص « إصبع اللّه » يدل على أن اللّه جسم ، وهو شبيه بالبشر . « وإصبع اللّه » صفة عضو . فإن الأصابع أعضاء من الجسم . وفي التوراة صفات المعاني اللائقة بجلال اللّه تعالى ، فيها صفات : القدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحياة والقدم والبقاء ، وهكذا سائر الصفات التي تدل على أنه ذات مقدسة عن كل نقص ، ومبرأة من كل عيب ، مثل قوله : « الرب إله رحيم ، ورؤوف . بطيء الغضب . وكثير الإحسان والوفاء ، حافظ الإحسان إلى ألوف ، غافر الإثم